ابن قتيبة الدينوري

مقدمة الطبعة الثانية 5

المعارف

بين أيديهم وتحت أعينهم عالجوا ما قبل هذا مما لم يقع بين أيديهم وتحت أعينهم على الوتيرة نفسها حتى لا يقال إنهم أفاضوا في ناحية وأوجزوا في ناحية ، وجعلوا الإيجاز في سوق الأحداث التاريخية كلها طابعهم العام حتى لا يؤخذ عليهم شيء . وهكذا كان ابن قتيبة في كتابه « المعارف » معبرا عن بيئته أصدق تعبير ، عبر عنها في هذا المظهر الجامع حين فشت الكتب المترجمة تحمل مناهج جديدة ، وعبّر عنها في ذلك التحرز حين كانت الخشية واجبة . وما ندري هل نلوم ابن قتيبة على وقوفه خائفا حذرا لا يملك الشجاعة في أن يعبر عما تحت حسه ، ولا أن يطلق لقلمه العنان يصف ما يحدث بين يديه ، أم نلتمس له فيها عذرا ؟ وما ننكر أن ابن قتيبة كان حريصا على شيئين : حريصا على حياته ، ثم حريصا على ألا يترك الناس من بعده يعيبون عليه خوفه وحذره . ولقد حقق لحرصه الأول ما أوحى به فأوجز هذا الإيجاز المخل ، ثم حقق لحرصه الثاني ما يمليه عليه فجعل الإيجاز طابع الكتاب كله حتى لا يؤخذ عليه شيء . ولقد ظن بهذا الَّذي فعل أنه نجا من اللوم ، ولكنه قد فاته أن المؤرخ الَّذي يسلك مثل هذا المسلك قل أن يفلت من تبعة ما فرط فيه ، وإنا إن غفرنا له إيجازه فيما لم يشاهد ، بحجة أن غيره سبقه إلى الكتابة فيه وأفاض ، وأنه ليس عنده ما يزيد عليه ، فبعيد أن نغفر له إيجازه فيما شاهد ووقع بين يديه ، وكان هو أحد رواته الذين يعتمد عليهم في ذلك ، مهما تكن الأحوال ، ومهما تكن العواقب ، وما بالعسير على الكاتب أن يحتال شيئا في سرد ما يحب فيبلغ الأمان الَّذي يريد ، دون أن يفرط في الواجب أو يحيد . ولكنا لا ندري على أية صورة كان ذلك الإرهاب ، ولا على أية صورة كان موقف الناس منه ، غير أنا نكاد ننتهي إلى أنه كان ملجما للألسنة كما قلنا ، وأن كتاب المعارف كان صورة حقة لذلك في شقه التاريخي لا في شقه الأدبي ، فهو إلى جانب ما فيه من إفاضة في المعرفة ، جاء يمثل تلك الظاهرة الأخرى خير تمثيل ، فأوجز الإيجاز كله ، لذا كانت التفاتتى إليه ، ولذا فكرت في نشره .